حسن بن عبد الله السيرافي

252

شرح كتاب سيبويه

الرفع إذا أردت العطف على الماضي ؛ وقد ذكرناه في باب الجواب بالفاء وقوله ( ما عدوت أن آتيك ) فيه وجهان : أحدهما : أن تريد : ما عدوت فيما مضى أن آتيك فيما استقبل ، ومعناه : رأيت فيما مضى أن آتيك فيما استقبل ، وما تجاوزت فيما مضى اعتقاد أن آتيك في المستقبل . والوجه الآخر : ما عدوت فيما مضى أن آتيك وتجعل ( آتيك ) في موضع ( آتيتك ) ؛ وهذا معنى قوله : ويجوز أن تجعل ( أفعل ) في موضع ( فعلت ) ؛ وإنما جاز ذلك لأنك تقول : كنت أتيتك ، وكنت آتيك ، ومعناهما واحد ، وجئتك إذ قام زيد ، وإذ يقوم زيد ، ومعناهما واحد ؛ وإنما يجوز ذلك إذا تقدم قبله شيء قد مضى ، أو شيء فيه دلالة على المعنى ، والفعل المستقبل مصاحب له ، كما تقول : جاءني زيد أمس يضحك ، و ( يضحك ) وإن كان ماضيا وهو بمنزلة الحال لمصاحبته لجاءني ؛ وكونه في وقته ، ولا يجوز الماضي في موضع المستقبل إلّا في المجازاة نحو : إن فعلت فعلت ، لو قلت : يكون زيد قام ، لم يجز كما جاز : كان زيد يقوم ؛ فهذا فرق واضح وقوله : ما أعدو أن جالستك ، فمعناه : ما أعدو الساعة مجالستك فيما مضى ، كأن المجالسة فيما مضى شيء قد ثبت ، فهو لا يعدوه ولا يتجاوزه ، كما تقول : لا أعدو زيدا ، ولا أعدو دارك ومنزلك ، أي : لا أعدو ذلك إلى غيره . وإنما لم يجز ( ما أعدو أن أجالسك أمس ) ، لأن قولك ( أعدو ) مستقبل ، وإذا كان ابتداء الكلام مستقبلا ، لم يجز أن يكون بعده المستقبل في معنى الماضي ، وإنما قال : ( أن ) لا يجوز ( ويقصد ) لأنه جعله بمنزلة : وينبغي له أن يقصد ، فناب ( يقصد ) عن ( ينبغي له أن يقصد ) ؛ ومن أجل ذلك تضمن معنى الأمر ، ولم يحمل على ( أن ) ؛ ومثله في القرآن : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ، " 1 " وفيها معنى : ينبغي لهن أن يرضعن ، ويكون في ذلك معنى الأمر ، وإن لم يكن لفظ الأمر ، كما لو قال المولى لعبده : الواجب عليك أن تفعل ، أو الذي أريده منك أن تخرج إلى السوق ، وجب عليه فعل ذلك ، وإن لم يظهر لفظ الأمر له بذلك . هذا باب الجزاء فما يجازى به من الأسماء غير الظروف : من ، وما ، وأيّهم . وما يجزي به من

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 233 .